هنا لقراءة المقال من صحيفة مكة
لا حدود ولا مسافات، بل ظل وانعكاس.
بين الآن وقبل ساعة، نعيش اللحظة ذاتها معا، وبالنظرة نفسها نتبادل أطراف الكلام؛ لا بين العينين فقط، بل بين القلب والروح. نتقاسم كل شيء؛ لا حد يمنع، ولا مسافة تنقطع. الحرف صامد، ينفض غبار الظلام بداخلنا، ويشارك بقوة دون تنظيم أو تركيز؛ كأن الفوضى أحيانا أصدق من الترتيب، وكأن العفوية أعمق من كل محاولات الضبط. انعكاس ما بيننا يظهر في نبرة صوت، أو تقاسيم ملامح، أو حتى في صمت يمر سريعا لكنه يترك أثرا طويلا في الداخل.
تلك اللحظة، ما بين الآن وساعة أخرى، تزداد أو تنقص حسب ما يحدث بين النظرة والحركة والهمسة. وما يكشف ذلك ادعاؤنا أننا نفهم ما يدور داخل النفس وما يخرج منها؛ فذلك أمر معقد لا يجيد التقاطه أي شخص، إلا ذلك المدرك لنظرات العيون وتعابير الوجه، وكل ما قد يخرج حتى وإن لم يكن صرخة، بل تنهيدة فقط. تظهر في لحظة ينقطع فيها النفس ويعجز القول عنها، فيستسلم محدثه لها؛ وكأن المشاعر حين تضيق الكلمات تتحدث بلغتها الخاصة التي لا تكتب ولا تشرح، بل تحس فقط.
الأمس واليوم نقيضان لما نشعر به الآن، ومع ذلك فهما يشبهان بعضهما في الروتين وتكرار التفاصيل الصغيرة. إلا أن الأمس يؤلم أكثر؛ لأنه مضى ولم يعد يقبل التعديل، بينما اليوم ينتظرنا لأنه ما زال يطلب المزيد، وما زالت صفحته بيضاء تقبل الكتابة. لكل منهما كلمة وعمق ونظرة، لكن تبقى كلمتنا نحن هي التي تحكم بينهما؛ فندرك أن اليوم بحاجة إلى صبر، وأن الأمس بحاجة إلى نسيان، وأن الغد بحاجة إلى شجاعة للمواجهة دون خوف مبالغ فيه.
كلاهما يتقاسمان ما نريد ونتمنى، وما يمكن تغييره وتداركه. لذلك نشعر بين الروح والقلب، ونتمنى مشاركة العقل والعمق ليرشدانا؛ كأننا نقف في منتصف طريقين: أحدهما إحساس خالص، والآخر منطق صارم. فنطرح السؤال بصوت خافت: أيمكننا التفكير بصوت عال؟ أم الصمت بانتظار شعور آخر أكثر وضوحا؟ وفي هذا التردد تنشأ إنسانيتنا؛ لأننا لا نملك إجابة ثابتة، بل نملك محاولات متكررة للفهم.
نتقاسم ونحب ما يجعلنا نحب الحياة بصدق، وننسى أحيانا أن الاعتماد على العقل ركيزة، وأن إصلاح التفكير وسيلة مهمة للوصول إلى نقطة العمق؛ تلك النقطة الحساسة التي لا بد من الحذر منها، لا خوفا بل وعيا. فليس كل ما نشعر به يحتاج أن يقال، وليس كل صمت هروبا، وليس كل بوح شجاعة. أحيانا تكون الحكمة في الموازنة؛ في معرفة متى نتحدث ومتى نصمت، ومتى نؤجل القرار حتى نصل إلى معادلة متزنة وبفكر منطقي.
أحيانا نختار التمهل، لا لأننا عاجزون، بل لأننا نفهم ثقل اللحظة. نفهم أن بعض المشاعر إن نطقت هدمت، وإن تركت نفعت، وإن منحت وقتها نضجت وتحولت من اندفاع مؤقت إلى وعي ثابت. فنمنحها وقتها، ونمنح أنفسنا مساحة للفهم دون تعقيد لما نفكر، أو فرض نقطة لها نهاية. فليست كل الطرق تحتاج وجهة، ولا كل الأسئلة تحتاج جوابا فوريا.
وهكذا نمضي؛ لا بثقل الماضي، ولا بضغط المستقبل، بل بوعي اللحظة. ندرك أن الفهم لا يأتي دفعة واحدة، وأن السلام ليس غياب الأسئلة، بل القدرة على التعايش معها دون أن تسرق طمأنينتنا. وفي هذا التوازن بين القلب والعقل نجد ما يشبه الطمأنينة... ولو مؤقتا. فحياتنا ليست ألما فقط، ولا لحظة صامدة؛ بل مزيج من الحب والسلام، والخوف والقلق، والقوة والضعف. نحن بين بداية تفاجئنا ونهاية تعلمنا؛ لا يمكننا السير في طريق واحد في هذه الحياة، لذا نصبر ونتحمل، ثم نتعثر أحيانا وننهض تارة أخرى، نغرق ثم ننجو، نعبر ثم نتأمل... وفي كل مرة نخرج أكثر وعيا وأكثر صلابة، ونشعر بأننا أفضل مما كنا عليه من قبل؛ تلك هي الحقيقة التي تجعلنا نعيش اللحظة ألف مرة في كل يوم وليلة، وكأننا لم نعش لحظة بل دهرا.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق