خارج المدارات: سيمفونية الوعي وألم الفكرة - موقع الكاتبة عائشة العتيبي

أرشيف المدونة الإلكترونية

إعلان اعلى المقالة

إعلن هنــــا

الأربعاء، 15 يوليو 2026

خارج المدارات: سيمفونية الوعي وألم الفكرة

 


هنا لقراءة المقال من صحيفة مكة

السلام الداخلي ليس قضية سياسية، ولا حربا عالمية، ولا سيناريو خارجا عن المألوف، ولا حكما قضائيا غير قابل للاستئناف؛ بل هو روح تسكنك، تدرك يقينا أنها بحاجة إلى هواء وماء، إلى دفء واحتواء. هي روح تعبر عن نفسها أحيانا بتيه داخلي، تخشى الخسارة من أول معركة، وتبحث دوما عن شيء يستحق النسيان أو التغيير.


تتحلى بالصبر حينا، وتندم حينا آخر على حظ أورثها الحسرة. تقف منتظرة من يلوح لها من بعيد، يقترب منها، يسمع صوتها، ويخبرها أنها كانت شامخة رغم كل ذلك الاحتياج. يعبر عن ملامحها الرقيقة التي تبدو مرهقة، شعور مزعج ينتابها؛ لم يكن حسرة بقدر ما كان خذلانا.


أحيانا، أشعر أنني أبتعد عن كل شيء دون سبب واضح، كأن ضيقا خفيفا يتحول بغتة إلى ثقل يحيط بي من كل الجهات. لا أستطيع تفسير ذلك الشعور، لكنه يحضر بغتة، يجعل الأشياء تبدو أبعد مما هي عليه، ويجعل داخلي أكثر ازدحاما من المعتاد، رغم الهدوء النفسي. ومع ذلك، أدرك في العمق أن هذا الضيق ليس حقيقة ما حولي، بل هو حالة عابرة، تغيب معها رؤيتي للحياة للحظات ثم تخف تدريجيا.


لم تكن تلك الروح ضعيفة بالقدر الذي يجعلها طريحة، بل كان بداخلها حياة لم تفهم بعد، وفكر لا يتوقف، وخارجها صلابة لم تدرك. ولهذا ظلت تبحث في العمق، تخاف من كل شيء، حتى وإن كان العالم يرى عظمتها.


قد يتحد الفلك والفلسفة في المبدأ ويختلفان في المضمون، وبين هذا وذاك، تنشب عواصف بداخلي ونهوض لا يكاد يصل إلى مكانة الرفعة. شعرت يوما أن الوحدة قصر جميل، وأن الحياة كنز ثمين، وأن الغياب واحة من الغفران؛ تلوح من بعيد لتجعلني مبتعدة عن ركيزة ومضمونها، فأبحث بقراراتي عن الحقيقة التي أود أن تغيب عني. إن الوحدة التي تمتلك القدرة على هزيمتي، هي ذاتها التي تعود لتمسك بيدي وتصل بي إلى النجاح.


إن ما يجعلني أتنفس ليس الأكسجين، بل فكري الذي يحلق بي في عنان السماء، ثم يتركني أختنق بين مدارات العالم؛ ولأجل ذلك، وبالقدر ذاته، تنهزم فكرة وتنتصر أخرى.. هذا هو شعوري الآن؛ شعور لا يسكنني بقدر ما يرهق ذهني ويدفعني للاتصال بالعالم المليء بالمشاعر والأفكار. لم أنهزم لأني لم أسابق الركب، بل لأنني اعتنيت بفكرتي ونجاحها ومواصلتها، ونسيت حدود العالم المليء بالأحداث التي لا أستطيع رؤيتها أو حلها.


إن الاحتياج إلى نقل الفكرة أصعب بكثير من إحضارها بنفسك إلى الواقع والعمل عليها؛ فلكل فكرة قالب يستوعبها، أحيانا يكون قالب العقل أمامك صغيرا، فيضيق عن احتواء دهشة فكرتك، وربما يكون كبيرا، فيحتضنها داخل مخيلته كحبيسة تنتظر لحظة التحرر، لكنه يعجز عن التعبير عنها. ومن الصعب أن يفهم الطرف الآخر عمقك، وشعورك، وقدرتك، فيراك شخصا مهملا لذاته، مسرفا بعقله لأجل فكرة لم يدركها بعد. الخطأ هنا ليس خطأ أحدنا؛ فأنا أحببت الفكرة وشعرت بها، بينما الطرف الآخر لم يلمس جوانبها (عمق الصورة الفنية).


عزيزي القارئ، ليس من الضرورة أن نعبر للأشخاص الذين يفضلون رؤية الفكرة على أرض الواقع أكثر من سماعها وتخيلها. المفكر والناقد وجهان ليس لعملة واحدة؛ فأحدهما اختار الأصعب وغرق في عمق يجيد السباحة فيه، والآخر قرر النظر والاتكاء لرؤية ما هو الجديد! فهل يمكن أن تميز بينهما في وقت واحد دون أن تخلط بينهما؟


الحقيقة والخيال صورة واحدة لمن فكر بخياله وعاش ذلك بواقعه. النجاح لن يكتفي بالنظر، والتغيير لن ينضج من عمق واحد. لكل منا رأي وأسلوب؛ اعتن بفكرة من أمامك ووجهه إن استطعت، وإن لم تصلك فكرته، قل له بصوت محب «كل التوفيق لك، أنت تستطيع». فالتشجيع المستمر هو أصل الاستمرار والتميز، بينما القمع والانتقاد يحددان فشلك أنت لا فشله هو. فما الذي يدعوك للجلوس في المقاعد الأخيرة، تشاهد بنظرات بائسة، وملامح عابسة، وأنت مكتوف اليدين؟ فالعقل والعمل يبحثان عن مفكر واع وناقد مسؤول.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان أسفل المقالة

إعلان متجاوب هنا

المتابعون

https://aishaalotibi.blogspot.com/. يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Powered By Blogger

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *